علي بن مهدي الطبري المامطيري

105

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

نظر بحيرى لم ير من أراده ، فقال : يا معشر قريش ، هل تخلّف منكم أحد عن طعامي ؟ فقالوا : ما تخلّف عنك أحد ممّن تبتغيه ، إلّا غلام حدث السن تخلّف في رحالنا ، قال : فلا تفعلوا ذلك ، وأحضروه ليطعم معكم ، فقال رجل من قريش مع القوم : واللّات والعزّى إنّ يوما تخلّف ابن عبد اللّه بن عبد المطّلب عن الطعام من بيننا [ ليوم نحس ] ، ثمّ دعوه فأجابهم ، فقام إليه بحيرى ، وأجلسه مع القوم ، وجعل يلحظه لحظا شديدا ، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته ، حتّى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرّقوا ، قام إليه بحيرى ، فقال له : يا غلام ، أسألك بحقّ اللّات والعزّى إلّا أخبرتني عمّا أسألك عنه ، وإنّما قال له بحيرى ذلك لأنّه سمع قومه يحلفون بهما ، فقال له النبيّ : تسألني باللّات والعزّى ، فو اللّه ما أبغضت شيئا كبغضي إيّاهما ، فقال له بحيرى : فباللّه لما أخبرتني عمّا أسألك عنه ، فقال له عند ذلك : لني ما بدا لك ، فجعل يسأله عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره ، وجعل رسول اللّه ص يخبره ، فيوافق ذلك ما يجد بحيرى من نعته ، ثمّ نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوّة بين كتفيه . فلمّا فرغ من ذلك أقبل على عمّه أبي طالب ، فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ فقال : ابني ، فقال بحيرى : ما هو بابنك ، ولا ينبغي أن يكون أبوه حيّا ، قال : فإنّه ابن أخي مات أبوه وهو صغير ، فقال : واللّه صدقت الآن ، فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه اليهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لقتلوه ، وإنّ لابن أخيك هذا شأنا عظيما ، فأسرع به إلى بلاده ، فخرج به أبو طالب سريعا حتّى أقدمه مكّة « 1 » . « 34 » ويروى في الخبر : أنّه كان يلعب مع الصبيان وهو صغير بعظم وضّاح ، فمرّ عليه يهودي ، فدعاه وقال له : لتقتلنّ صناديد هذه القرية . « عظم وضّاح » : لعبة لصبيان العرب [ بالليل ] ، وهي أن يأخذوا عظما أبيض شديد البياض فيلقوه ، ثمّ يتفرّقوا في طلبه ، فمن وجده منهم ركب أصحابه .

--> ( 1 ) . تاريخ الطبري 2 : 32 ، والطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 153 . ( 34 ) غريب الحديث لابن قتيبة 1 : 139 ، ونحوه في الكثير من كتب اللغة .